"كما لا يكون للطب أي نفع عندما لا يتخلص من العلة الجسدية، ستكون الفلسفة غير ذات نفع إن لم تتخلص من معاناة العقل"
من هذا المنطلق لنظرة (أبيقور) للفلسفة نجد كتاب "عزاءات الفلسفة" يقدم لنا من سيرة الفلاسفة ونظرياتهم الفلسفية التطبيقات التي تقدم لنا العزاء لكثير من أمور الحياة التي نواجهّا ولا نعرف كيف لنا التعامل معها أو كيف نتجاوز الإحباط الناتج عنها، فكانت البداية هي تقديم العزاء لنا بشأن مخالفة الآراء السائدة وكيفية التعامل مع هذا الموقف عندما نجد أن آراءنا أصبحت شاذة عن المعروف وهل هذا هو التقييم الصحيح للآراء، مجرد شيوعها؟ وكانت قصة حياة سقراط ومواقفه هي العزاء في هذا الفصل من الكتاب. انتقل ثانياً إلى العزاء بشأن الافتقار إلى المال، فكانت فلسفة أبيقور عن السعادة واللذة في الحياة هي العزاء في هذا الفصل. ثم العزاء بشأن الإحباط وكان سيد هذا الفصل هو الفيلسوف سينيكا والذي مر بحياته على كثير من أسباب الإحباط وقد كان يقول "أدين بحياتي للفلسفة، وهذا أقل التزاماتي حيالها".
ثم ينتقل الكاتب إلى الحديث عن العزاء بشأن العجز ومنها العجز الجنسي، الفكري والثقافي وكان الفيلسوف ميشيل دي مونتين هو بطل هذا الفصل وفِي حياته ونظرياته ومواقفه الكثير مما نقرأ عنه للعزاء بهذا الشأن. ثم العزاء بشأن انكسارات القلب في الحب والزواج والصداقة وكل ما قد يتسبب في هذا الانكسار وكان للشهير شوبنهاور الكلمة الفصل في تقديم العزاء بهذا الشأن، وأخيراً العزاء بشأن مصاعب الحياة وكانت حياة نيتشه هي العزاء لمن يواجه هذه الصعوبات التي لا تخلو منها الحياة.
"باستطاعة قوى عقلنا أن تمدنا بالسعادة والعظمة الممنوعين عن الكائنات الأخرى. يتيح لنا العقل التحكم بأهوائنا وتصحيح الأفكار المغلوطة التي تحثنا عليها غرائزنا". هذا ما آمن به الفلاسفة القدماء وهو ما يوضحه هذا الكتاب الجميل الذي قدمه آلان دو بوتون بلغة بسيطة وسهلة تساعدنا فيه الفلسفة على فهم الحياة وتعطينا القدرة على تجاوز مصاعبها.
انتهيت من قراءة رواية كريم بركات "رسائل حب بطعم الملح" منذ يومين قمت بتقييمها على موقع جودريدز كإبداء رأي مبدأي في الرواية حتى تأتي الفرصة أو القدرة على الكتابة والحديث عن الرواية ولكن فيما يبدو تأبى الرواية ألا تتركني أو تخلصني من أثر الملح بحلقي بعد الانتهاء من قراءتها إلا بالكتابة عنها. الرواية جاءت على شكل رسائل متوالية من يحيى إلى حبيبته سارة، رسائل محملة بكل التفاصيل اليومية التي يمر بها يحيى بذكرياته بالحديث عما يعتريه من شعور وإحساس حين كتابة الرسالة، رسائل تختلف طبيعتها باختلاف الحالة المزاجية والنفسية ليحيى حينها. لا يعكر صفوه عند الكتابة سوى سيادة الضابط الذي يخشى دوما أن يمنعه مرة من المرات بأن يرسل رسالته القادمة، تبدأ الرسائل من الرقم صفر وتنتهي عندما ينقطع الأمل لديه بتلقي الرد والجواب تتوقف عند الرسالة الخمسين! قد يرى البعض أنها مبالغة ولكن في المقابل الأمر ليس سوى حب وإخلاص شديدين من يحيى لمحبوبته سارة التي لا يدرك سبب فراقها وإلحاح سؤال مهم عليه لم ليست بجواره في تلك اللحظات؟! قد يظنها البعض من خلال العنوان بأنها رواية سطحية مليئة برومانسية من تلك النوع الذي يسميه البعض" مُحن" ولكن تأتي عكس المتوقع أو لنقل عكس الصورة النمطية لدى أغلب الكُتاب الشباب المصريين عن الرومانسية! رواية تحمل بطياتها الكثير من الأمور التي تلح على يحيى ولا يجد أفضل من سارة ستتفهمه، يحدثها عن الغربة، مفهوم الوطن، سيادة الباشا الضابط، الحب، عجلة الحياة التي فرمت صديقه وفرمتنا تحتها والكثير من الأمور والصعاب التي تواجه المحيطين به. رسائل كتبها يحيى لسارة بمفردها ولكن بالتعمق في القراءة تجد الكثير من الحكايا مستك بشكل أو بأخر تطرح الكثير من الأسئلة عن معنى الغربة الوطن الألم الأمل الثورة الحرية والحب والإخلاص الفقد والرحيل وأسبابه! رسائل حب بطعم الملح تجربة رائعة لكاتب مميز تترك بك أثرا وتدعك لطرح الكثير من الأسئلة وإعادة التفكير في بعض الأمور الحياتية الخاصة بك!